• ENGLISH
  • 201094906020+
  • جمهورية مصر العربية

الربيع العربي والإصلاح المؤسسي

الربيع العربي والإصلاح المؤسسي

 دخل مصطلح الإصلاح‏ ‏ وصفاته ومجالاته المتعددة، السياسية والدينية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والتعليميةـ إلى دائرة الموضات الفكرية‏، ‏ وأصبح

 المفردة الأكثر شيوعا في لغة الصحافة والخطابات السياسية الحكومية‏، ‏ والمعارضة‏. ‏ ثمة موجات من تدافع اللغو والاضطراب الفهمي‏، ‏ والنزعة البيانية في توظيفات الإصلاح‏، ‏ الذي بات‏، ‏ وكأنه في ذاته يحمل حلولا سحرية لكل مشاكلنا وهمومنا المعقدة التي أنتجتها سياسات الفساد السياسي والاقتصادي والإفقار وتحقير المعرفة في بلادنا طيلة العقود الماضية. فمنذ بداية عصر النهضة في نهاية القرن التاسع عشر كان الهم الرئيس للنخب العربية هو الإصلاح سواء الإصلاح السياسي أم الإصلاح الديني أم الإصلاح الثقافي وقد نهض بذلك رجال مصلحون من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي. واستمرت شعلة الإصلاح يحملها مفكرون مستنيرون من أمثال طه حسين في مصر وجميل صدقي الزهاوي في العراق وعشرات غيرهم في كل أنحاء العالم العربي. وفي بداية النصف الثاني للقرن العشرين ومع سيطرة الفكر الشمولي لم يكن لهذا المصطلح مكانٌ في عقول المتنورين والشباب، فالهم المعرفي والحياتي كان على مفهوم التغير الاجتماعي المرافق لمصطلحات “الثورة” و”العنف الثوري”. وركزت الدعوات على أولويات التغير الاقتصادي والاجتماعي بالطرق الانقلابية أو الثورية مع الدعوة للتحرر الوطني من الاستعمار سياسيا واقتصاديا، ولكن أهملت قضايا الديموقراطية والحريات العامة أو أجلت، أو طرحت بشكل يتماشى مع الأفكار الشمولية المسيطرة. ولكن اضطربت وتخلخلت المفاهيم والأفكار لدى المثقفين لعدة عوامل

  • إجهاض التجربة الناصرية التي كانت تمثل المحاولة الجدية الوحيدة (بعد محاولة محمد على في القرن التاسع عشر) للنهضة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخروج من تحت سيطرة القوى الكبرى. واجمع معظم المثقفين أن الثغرة التي أسقطت التجربة من خلالها كانت تقديم المبادئ الأخرى على الديموقراطية بالإضافة للضربة العسكرية في يونيو 1967.
  • خضوع الأقطار العربية لأنظمة مختلفة منها الملكية ومنها الجمهورية الشمولية. الخ، ولكن يجمعها كلها غياب الحريات والديموقراطية والفشل في تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتغلغل الفساد وسيطرة رجال السلطة وأقاربهم على الاقتصاد وتحويل خيرات البلد إلى الخارج على شكل حسابات لهم في المصارف العالمية، والتعامل مع الشعب بالأسلوب الستاليني المخابراتي القمعي.
  • سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط الفكر الشمولي معه.
  • انهيار جدار برلين وأثره في العالم والمفاهيم والأفكار.
  • النظام العالمي الجديد سواء سيطرة القطب الواحد أو سيطرة الامبريالية الجديدة على العالم أو ما يسمى العولمة.

قضايا الإصلاح العربي واهم محاوره

المحور الأول – الإصلاح السياسي

ويقصد بالإصلاح السياسي كل الخطوات لبناء نظم ديموقراطية واهم المسارات هنا هي الإصلاح الدستوري والتشريعي، إصلاح المؤسسات والهياكل السياسية، إطلاق الحريات

المحور الثاني – الإصلاح الاقتصادي

المحور الثالث – الإصلاح الاجتماعي

المحور الرابع – الإصلاح الثقافي

المحور الخامس – مؤسسات المجتمع المدني وتطورها

مبررات الدعوة للإصلاح حاليا بعد رحيل الاستعمار من معظم أقطار الوطن العربي وانتكاسة الدعاوي الثورية شهدت الأقطار العربية تجارب مختلفة كان القاسم المشترك بينها هو الفشل! أجل الفشل في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والفشل في التجدد واللحاق بركاب الحضارة المتطورة، والفشل في تحقيق نظام سياسي ديموقراطي مستقر. ووجدت النخبة العربية أن سبل التغير الثوري والانقلابي لم تعد ممكنة بل مرفوضة حاليا، والسبيل هو الإصلاح بكافة النواحي والبدء بالإصلاح السياسي، فها هو المفكر العربي الدكتور جمال الاتاسي يرفع شعار (الحرية أولا) في عام 1973. ولم تأت الدعوات العربية للإصلاح استجابة للضغوط الخارجية أو الأمريكية وإنما جاءت كحاجة وطنية ملحة. وبدأت الدعوة للإصلاح من القوى الوطنية العربية في الوقت التي كانت فيه أمريكا تدعم النظم العربية الاستبدادية وتعادى قوى الإصلاح، ولم تدعو أمريكا إلى الإصلاح إلا بعد أحداث أيلول نتيجة تفسيراتها للإرهاب وأسبابه واستكمالا لمخططها في السيطرة.

ونسمع الآن دعوات الإصلاح من أطراف متعددة لكل منها أسبابها وأسلوبها:

  • فنحن نطالب بالإصلاح استجابة للاحتياجات الوطنية العامة في تعزيز البنية السياسية والاقتصادية عبر تحقيق مشاركة أوسع لفئات وشرائح المجتمع في اتخاذ القرار، وتوزيع الثروة بطريقة أكثر عدلا، مما يتيح إقامة مجتمع التقدم والمنعة في مواجهة تحديات يواجهها العرب شعوبا وكيانات سياسية
  • فيما يطرح الحكام الإصلاح من أجل إعادة إنتاج النظام السياسي الحاكم وإطالة عمره، وتجديد نخبته، التي غرقت في العجز والفساد، ولم تعد قادرة على مواجهة التحديات الجديدة سواء في مستواها الداخلي، أو في مستوياتها الخارجية.
  • وفي الجانب الأخر تركز الدعوة الأميركية للإصلاح على إقامة توافق بين البلدان العربية ومجتمعاتها مع المصالح والسياسات الأميركية في المنطقة وعلاقات بلدانها الوثيقة مع الولايات المتحدة خلال السنوات العشر المقبلة ولا سيما في الجانب الاقتصادي. هي استجابة للمشروع الأمريكي لإصلاح الشرق الأوسط الكبير الذي يستهدف استكمال السيطرة الأمريكية على هذه البقعة الاستراتيجية من العالم توسيعا وتعميقا لاستقطابها الرأسمالي المعولمة، والذي يتضمن بالضرورة دعوة إلى إصلاح سياسي واقتصادي وتعليمي وفق قوالب محددة تخدم هدفها العام.
  • أما دعوات الإصلاح الأوروبية، فقد ركزت على قيام شراكة أوروبية عربية هدفها نشر الفكر والأسلوب الليبرالي في المنطقة العربية وتوسيع السيطرة الفكرية والاقتصادية للسوق الأوربية المشتركة.

 

طرق الإصــــــــلاح

إن شعوب الوطن العربي في مأزق صعب، فهي:

  • تتشكك في دوافع وجدية المبادرات الدولية للإصلاح.
  • تدرك أن حكوماتها ترفض الإصلاح، باعتباره تهديدا للسلطات المطلقة التي تتمتع بها، وتنفرد بمقتضاها في التصرف في كل شؤون الأوطان دون حسيب أو رقيب.
  • لا تملك القوة اللازمة لإجبار حكوماتها على الشروع بالإصلاح، نتيجة انقسام نخبها حول قضايا رئيسية.

وفي هذا السياق تبرز أربعة طرق نظرية لعملية الإصلاح:

  1. إصلاح مفروض من الخارج على نمط ما حدث في العراق. ولكن التجربة العراقية تبين وبشكل لا يحتمل اللبث فشل هذا الأسلوب في تحيق الإصلاح وتبدو لنا أمريكا في دعوتها للإصلاح مخادعة لا تريد إلا خدمة أهدافها الامبريالية وان أية عملية إصلاح يجب أن تكون بعيدة عن التأثير الامبريالي الأمريكي المرتبط بالأهداف الصهيونية المعادية، ليس للإصلاح فحسب في أو ضاع الأمة العربية، بل ولوجود هذه الأمة وان ما برز على السطح من خلال احتلال العراق في تجنيد قوى طفيلية عميلة تسعى جاهدة أن تكون خدما للمشروع الأمريكي الصهيوني على حساب كل القيم الوطنية والقومية والدينية ليؤكد أن أمريكا وحلفائها من صهاينة وعملاء ورجعيين، لا يمكن أن يكونوا صادقين في كل ما يتفوهون به من إصلاح، ولا بد من المثابرة على تعريتهم وكشف أهدافهم التآمرية ضد امتنا وتطلعاتها .
  2. طريق ثوري، وهو بالتالي لا ينطبق عليه تعبير الإصلاح. ولكن الأهم هو أن مقومات هذا الطريق لا تتوافر في الوطن العربي، فليس هناك مؤشرات بعد علي وجود حركة ديموقراطية قادرة على أن تفرض أهدافها من خلال ثورة شعبية، أو تحالف مدني عسكري. ولقد بينا سابقا أن كل القوى الوطنية العربية أسقطت هذا الخيار من حسبانها.
  3. إصلاح من أعلى، اقتداء بالنموذج المغربي في الإصلاح التدريجي-الذي ما زال ورغم بعض التراجعات من وقت لآخر – يقوم على قاعدة توافق عريض بين النظام الملكي والأحزاب السياسية الرئيسية وقطاع هام من مؤسسات المجتمع المدني، مع استعداد النظام السياسي للاعتراف بجرائم الماضي. غير أن هناك عدداً محدوداً للغاية من الحكومات العربية المؤهلة لأن تختار هذا الطريق. ولا شك أن الاستعداد لنهج هذا الطريق ومعدل السير فيه، لن يتوقف فقط على طبيعة الإرادة السياسية للنظم الحاكمة، ولكن أيضا على مدى ديناميكية المجتمع المدني والأحزاب السياسية في كل دولة، وطبيعة تفاعلات المجتمع الدولي مع تلك الدول.
  4. طريق المجتمع المدني، وهو يتطلب أن تنمو قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية في أي دولة، إلى مستوى يمكنها من إحداث تطوير نوعي في علاقات القوى مع النخب الحاكمة، بما قد يتضمنه ذلك من احتمال شق النخب الحاكمة ذاتها، وانحياز أقسام منها لنهج الإصلاح.

ورغم أن هذا الخيار يعتمد بشكل كلي على طابع التفاعلات الداخلية، إلا أن طبيعة تفاعلات المجتمع الدولي مع كل من النظم الحاكمة والمجتمع المدني في كل دولة، سيلعب دوراً حيوياً في مدى تهيئة البيئة المناسبة لهذا المسار ومعدل السير فيه بالطبع ليس هناك جدار فاصل يفصل بين الخيارات الافتراضية الثلاثة الأخيرة، فالثالث قد يقود للرابع، والرابع قد يقود للثالث أو الثاني. وقد يؤدي انتكاس أي من الخيارات الثلاثة الأخيرة في ظروف خاصة، إلى فرض الخيار الأول

ثورة يناير والطريق نحو الإصلاح

قامت الثورة في مصر على الدكتاتورية وشارك فيها خيرة شباب مصر الذين ضاقوا ذرعا بالمظالم ومستهم جميعا الضراء من حكم استبدادي كان خليطا من الدكتاتورية ومافيا الفساد والرشوة ونهب المال العام بزعامة مبارك والذي أعتبره قائد التنظيم العالمي في المنطقة العربية والذي يهدف إلى تقسيم الشرق الأوسط وسقاط مصر، والتجاوزات الأمنية التي ذهب ضحيتها مئات بل آلاف القتلى والجرحى والمهجرين، ومنذ ذلك الحين وعلى إثر انهيار النظام السابق وبدء المسرحية الهزلية بمحاكمة مبارك وأولاده ورموز نظامه بدءً من فبراير 2011، والمعارضة المصرية في حالة تشكل دائم لم يصل الى أي نتيجة تذكر غير “شرذمة الشعب المصري” وتفتيته، وصحب هذا الانحراف الثوري فساد اكثر نتج عن اضرابات غير مبررة ومطالب فئوية أهم ما أنتجت ضرر فادح في اقتصاد البلاد لا أكثر ولا أقل… ومرة أخرى تغلبت (الأنا) على مصلحة الوطن وحب الزعامة، ولذلك بلغ عدد الأحزاب في مصر اكثر من مائة وعشرين حزبا معظمها لا يكاد يمثل الا “زعيم الحزب” الذي تحصل على التأشيرة القانونية لأنشاء حزبه. ولم يوجد في البلاد سوى ما يسمون أنفسهم بالنخبة وهم أكثر فشلاً مما توقعنا فهم بلا رؤية ولا كاريزما وهو ما سهل للثورة المضادة أن تحيا من جديد وتفتح الباب لرجال مبارك للعودة إلى مقدمة الصفوف غير عابئين بالألف الذين ما ودفاعا عن هذا الوطن وفي سبيل حريته.

وربما حاول المجلس الأعلى للقوات المسلحة منذ البداية دمج الجميع في الحكم باعتبار المرحلة انتقالية وتأسيسية لمرحلة ديموقراطية يتم التداول السلمي فيها على الحكم وليست مرحلة (حكومة ومعارضة) ولكن كل المساعي باءت بالفشل وتمترس بعض الزعامات في خانة المعارضة وكان كل ما أنتجته ومزيد من الفوضى وهنا قفز الإخوان على كرسي الحكم وسط أمية عارمة وجهل بين وبمساعدة نخبة لا رؤية لهم، فسقطت مصر فريسة في يد الفاشية الدينية. وكان عاماً الفرقة والعنصرية المقلوبة وأصبح السجناء سادة السجانين وعانى الشعب مزيداً من الظلم من السجناء مثلما عانى من السجانين على مدار ثلاث عقود.

وعودة إلى حكم الحزب الأوحد، وإن ما شهدته مصر من حكم الحزب الواحد طيلة أكثر من ثلاثين عاماً هو ما أنتج مثل هذه العقول التي لا تعتبر أن الحاكم ما هو  الا “خادم للشعب” بل كل ما تعلمته هو  أن الشعب هو  الخادم والحاكم هو  السيد ولذلك ترى الجميع يهرولون لتيل “السيادة” بنفس “العقلية القديمة، ولا شك أن الوضع سيتحسن في مصر بعد ثورة يونيو التي صححت مسار ثورة يناير 2011 ولكن علينا أن نتعلم من الماضي ونعيد بناء الإنسان المصري بثقافة وعقلية جديدة، على أن تكون عقلية “التداول السلمي” على الحكم وعقلية “خدمة الشعب”  ولا شك أن ذلك يتطلب المزيد من الوقت والتضحيات، فقط نحتاج إلى إخلاص النوايا.

وإن الطابع المدني لسلطة الدولة المدنية لابد أن يتقدم على طابعها العسكري كما أن سلطة الدولة المدنية هي بالتبعية سلطة علمانية وليست دينية أو إلهية وإذا أردنا أن تكون مصر دولة مدنية ذات مؤسسات ثابته، وتأسيس مصر كدولة مدنية لا يعنى إطلاقاً نبذ الدين أو تقليد الغرب في أساليب حياتهم ومعاملاتهم، بل يعنى دولة حديثة لها تكوين مؤسسي وهيكل إداري منظم ولا شك استغلال النظم الدينية الصالحة كالاقتصاد الإسلامي لذا فلابد من أن:

  1. تخضع السلطة العسكرية للسلطة المدنية

في بداية عصر الديموقراطيات الحديثة كانت الدول ذات طابع عسكري وذلك نتيجة للانقلابات أو في فترات إعلان الطوارئ، غير أن الوضع الطبيعي للدولة في وقت السلم هو ممارسة السلطة بواسطة مدنيين وبجانب وجود السلطة المدنية لابد من وجود السلطة العسكرية والتي يناط بها حماية أمن الدولة والدفاع عنها ضد الأخطار الخارجية وتظل السلطة العسكرية خاضعة للسلطة المدنية. ومن أجل التأكد على الفصل بين السلطتين العسكرية والمدنية لابد من تحديد اختصاصات وأماكن عمل كل سلطة بحيث تكون أماكن عمل السلطة العسكرية داخل المعسكرات والمناطق العسكرية وبذلك يكون اختصاص القضاء العسكري محدد إقليمياً، بينما اختصاص القضاء المدني عام وشامل في كل ربوع الدولة، ولكن عند النظر بدقة إلى مبدأ فصل السلطتين على أساس أماكن العمل والاختصاص لوجدنا أن ذلك صعباً خاصة في فترات الحرب والتغيرات التي طرأت على أساليب الحرب والتقدم في نوعيات وأشكال الأسلحة بحيث أصبحت الحروب ذات طابع شامل ويمس كل ربوع الدولة. ومن هنا نجد تواجد عسكري بجانب التواجد المدني، ويمكن الحد من تدخل القوات المسلحة وسلطتها بحيث يكون الحفاظ على الأمن الداخلي مسئولية الشرطة وهي هيئة مدنية ولا يجوز تدخل الجيش إلا بناء على طلب مكتوب من قبل السلطة المدنية إذا استلزمت الدواعي الأمنية.

  1. تكون السلطة علمانية وليست دينية

إن فصل الدولة عن الدين يعتبر من أهم ركائز الديموقراطية وشرطاً اساسياً لتوفير الحرية للمواطنين، حيث أن الدولة التي تستمد قوتها من الدين تضع عبئاً على ضمائر المواطنين ويعوقهم من رؤية الدولة على حقيقتها ومحاسبتها.

وقد نجد ذلك جليا في المجتمعات البدائية حيث كان رئيس الجماعة أو القبيلة يستمد قوته وسلطانه من الدين بجانب سلطته المدنية ومع مولد الدولة بمفهومها الحديث نجد أن هناك فصل بين السلطتين المدنية والدينية وهو ما ظهر جلياً في عصور روما مع الملكية حيث احتفظ الملك بسلطاته المدنية وترك الشئون الدينية للجماعات الدينية وكذلك في المسيحية فقد قال المسيح “إن مملكتي ليست في هذا العالم، أعطوا لقيصر ما ليقصر ولله ما لله” وفي الدولة ما زال هناك جماعات تتمسك بالسلطة الدينية رغم ادعائها الكاذب بأنها دولة مدنية. وإذا نظرنا إلى الدول التي تتدعى فيها بعض الجماعات والفصائل السلطات الدينية فنجد أن رئيسها ليس ممثلاً دينياً بل إنه منتخباً طبقاً للنظم المدنية، فالسيادة للشعب والشعب هو الذي اختاره ولذا فيمكننا أن نؤكد أن الطابع العلماني المدني هو الطابع الغالب على الدولة الإسلامية الحديثة ولذا فليس للسلطة أي حق في مراقبة أخلاق الناس إلا فيما أقره القانون المدني. ونظراً لقوة الطابعين الديني والعلماني المدني في مصر، فهو أحرى أن تكون الدولة ذات طابع علماني مدني ويبقى الدين المصدر الأساسي للتشريع بما لا يعوق أصحاب الديانات المختلفة من العيش بحرية وأمان، ولابد ألا يستغل الجماعات الدينية الدين لفرض رأى أو مذهب أو اتجاه، فالدولة في مفهومها الحديث لا يمكن أن تتجزأ طبقاً لأديان أو عقائد بل لابد من تأسيس مصر على أساس مدني يحمى حقوق الأفراد وحرياتهم.

ومن أجل بناء منظومة سياسية معاصرة، لا يمكن أن نتجاهل دور الإعلام، خاصة بعد التطور التكنولوجي السريع في قنوات الاتصال. إن وسائل الاتصال في عصر الفضائيات وشبكات المعلوماتية قد غزت العالم ببرامجها وعروضها حتى تحول العالم إلى قرية كونية، بحيث يطلع أهالي الجنوب على أخبار أهالي الشمال بنفس الوقت وبسرعة هائلة فاقت التصورات البشرية في بداية القرن الحالي فتدفق الصور والرموز الثقافية على هذا النحو العجيب اتاح للناس مقارنات ثقافية غير مسبوقة، فقد صار في العالم كل واحد يستطيع تلمس موقعه موقع بلده بين أمم الأرض، مما أدى بالتالي إلى تداخل ثقافي بين شعوب المعمورة، وهذا ما يساعد على الإطلاع الواسع والسريع على الأحداث السياسية والظروف الدولية وتكون بذلك نوع من الوعي السياسي العالي للإحداث المثيرة على الساحة الدولية، فضلا عن الوعي السياسي لكل شعب من شعوب المنطقة بالإحداث والأمور الداخلية المتعلقة بسياسات حكوماتهم.  وان وسائل الأعلام باعتبارها طرق لاكتساب الوعي السياسي تختلف باختلاف أنواعها ومصدر تلك الوسائل، ففي داخل الأنظمة الشمولية تكونت كل وسائل الأعلام بيد الحزب الحاكم أو السلطة المنفردة بحيث يفرض إرادته على أفكار العامة، على عكس ما نراه في المجتمعات الديموقراطية حيث تفرض وسائل الأعلام أراءها وإرادتها على الحكومات وسياساتها.

وهكذا فان التغطية الإعلامية تؤثر فالأفراد ويكون لديهم توجهات وآراء حول مختلف المفاهيم والأحداث السياسية، وما دمنا نعيش اليوم عصر المعلوماتية فان هذا الدور معرض للتطور والتوسع وهكذا نجد في عالم اليوم تعدد وتنوع طرق اكتساب الوعي السياسي واتساع المؤثرات التي تسهم في تنمية الوعي السياسي على المستوى الكوني (العالمي) والمحلي. أما كيفية تحقق ذلك وإبعاده سلباً وإيجابا فهذا أمر أخر. فالبعد السلبي في تشكيل الوعي السياسي غالبا مارنا ه في الأنظمة الشمولية التي تعتقل فيها الكلمة وينعدم فيها الراي وان الإعلام موجه لدرجة توثر في عقول الافراد وتوجههم نحو نوع معين من الأفكار والمعتقدات وذلك من خلال الوسائل التي تمارس من خلالها الحرب النفسية والدعائية الموجة وتستغل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لذلك الغرض لذا فان أي تظاهرات من قبيل الوعي السياسي يكون مزيفا أو موجها.

وان الإعلام في الوقت الراهن يمارس دورا أكبر من حيث تعدد الوسائل كالشبكة العنكبوتية وتحويل العالم إلى قرية صغيرة لذا أصبح بإمكان الإفراد الذين يعيشون تحت نير الاستبداد من التعرف على العالم الواسع واقتناء الأفكار الحرة من خلال الانترنيت والأقمار الاصطناعية. وهنا لابد من الفرق بين الأثر الذي يجلبه الإعلام العالمي في اكتساب نوع من الوعي السياسي، فالإعلام العالمي اليوم يؤثر بصورة واضحة في تفكير الشعوب نظرا لسرعة التنقل في المعلومات بين الشرق والغرب والشمال والجنوب ويتجلى هذا الأثر بقوة في المجتمعات النامية والمغلقة وذلك لكون الافراد في هذه المجتمعات تقيم الأحداث السياسية من زاوية ردود الأفعال الآنية والمرحلية دون التفكير في العواقب والآثار التي تفرزها الظروف السياسية المتنوعة لذا نرى بان الظواهر التي تعبر عن الوعي السياسي كالمظاهرات والمطالبة بالتغيير غالبا ما تكون مرحلية ويتلاشى في الوقت الذي رسمته الأنظمة الحاكمة في هذه البلدان، واما الإعلام المحلي فان أثره ليس بالمستوى المطلوب وان مساهمته في توعية الافراد توعية سياسية يكون مقتصرا على المفاهيم التي تريد السلطة إيصالها إلى الشارع وفق مصالح النخبة الحاكمة ولكي يمارس الإعلام المحلي دوره لابد من تفاعله مع هموم المواطن وتعبيره عما يتجه إليه الشارع أو الراي العام الشعبي.

هل استمتعت بزيارة الموقع؟ رجاء المشاركة والمتابعة:

يعد د. عماد مهنا أحد خبراء التخطيط الإستراتيجي والإقتصاد السياسي الذين برزوا في السنوات الماضية وله العديد من المؤلفات والحوارات التليفزيونية. ينتمي الدكتور عماد مهنا لعائلة مهنا بالدقهلية وكانت تعيش أسرته في قرية سنتماي بمركز ميت غمر، ونظراً لظروف عمل والده كضابطاً بالقوات المسلحة فلقد انتقلت الأسرة للعمل والعيش في محافظة أسوان حيث ولد عماد مهنا هناك في الثالث من مايو عام 1972 والتحق بالمراحل التعليمية في أسوان حتى عادت الأسرة للعيش مرة أخرى بقرية سنتماي حيث انتقل والده للعمل كضابطاً في المنصورة. وكانت والدة عماد مهنا سيدة متعلمة ولكنها فضلت تركيز وقتها لأولادها كربة منزل حتى أصيبت بأحد أنواع السرطانات والتي انتشرت من جراء المبيدات المسرطنة التي استوردها مبارك ونظامه إلى مصر من إسرائيل، ورحلت الأم في ريعان شبابها تاركة خلفها أربعة ابناء أكبرهم عماد ومنذ لك الحين قرر عماد مهنا أن ينتهج طريقاً لتثقيف المواطنين ومحاربة الفساد وأخذ على عاتقة رسالة الإصلاح في مصر. وفي منتصف التسعينات من القرن الماضي وفي ظل تفشي الفساد والفوضى في مصر قرر عماد الرحيل عن مصر ليتعلم حياة المجتمعات المتقدمة ويكمل دراسات الجامعية في الماجستير والدكتوراه, وفي خلال العشرين عاماً الماضية عاش عماد في 36 دولة حول العالم بدأها بدولة روسيا الاتحادية ثم سويسرا وانتهى بدولة نيوزيلاندا ودرس ثقافتهم ونظم إدارة دولتهم وهو ما جعله يتجه إلى دراسة التخطيط الاستراتيجي ثم الاقتصاد والعلوم السياسية بغرض تعلم كل ما يحتاجه من أجل إحداث نقلة نوعية في مصر عند رجوعه, فهو لم ينسى أبداً ثار المصريين البسطاء الذين عاشوا أكثر من ستة عقود في ظل الفساد والقهر وحتى التعذيب في سجونها بغير ذنب, ويتعهد بمحاسبة الجميع ولا تصالح ولا تسامح مع أحد.

Comments

1 Recent Comments

  • admin

    أبجد هوز هو مجرد دمية النص من صناعة المطابع ودور النشر. وكان أبجد هوز النص القياسي في هذه الصناعة وهمية من أي وقت مضى منذ 1500s، عندما مجهول مقعدا الطابعة الطباعة من نوع وسارعت الى تقديم نوع العينة الكتاب. وقد نجا من عدة قرون لا خمسة فقط، ولكن أيضا قفزة في التنضيد الالكتروني، تبقى دون تغيير أساسي.

Leave a Reply

المشاركات الاخيرة

Recent Popular Info

About:
قناة العبور الثاني هي قناة مصر الثورة والتي تعرض أخر تطورات مخطط العبور الثاني, وهو عبور الشعب المصري بمساندة جيشه العظيم. ويمكن لمشاهدي قناة العبور الثاني تحميل ملفات المخطط دون أي تكاليف أو قيود.
د. عماد مهنا

Total subscribers:
111

Total uploads:
330

Total upload views:
14.6 thousand

Events

  • No events

أجندة المؤتمرات

<< Jun 2019 >>
SSMTWTF
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 1 2 3 4 5

هل استمتعت بزيارة الموقع؟ رجاء النشر والمشاركة

  • Facebook
    Facebook
  • SHARE
  • RSS
  • Instagram
  • Follow by Email
  • Google+
    Google+
    http://www.emaadmuhanna.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/">
  • Pinterest
    Pinterest
  • LinkedIn
  • YouTube
    YouTube