• ENGLISH
  • 201094906020+
  • جمهورية مصر العربية

الشباب العربي والتحول الديموقراطي

الشباب العربي والتحول الديموقراطي

من الأدبيات التي راج استخدامها في الأوساط الأكاديمية والسياسية مصطلح التحول الديموقراطي، أو عملية التحول الديموقراطي أو التحول من النظم السلطوية نحو النظم الديموقراطية فالمقصود بالتحول الديموقراطي هو ” العملية التي يتم في إطارها صياغة أساليب وقواعد حل الصراعات بطرق سلمية، وصولا إلى وضع دستوري ديموقراطي حقيقي، وعقد انتخابات نزهيه وحرة وتوسيع نطاق المشاركة السياسية باعتبارها معيار نمو النظام السياسي ومؤشرا قوياً على ديموقراطيته “، كما أنها تعني عملية تراجع الأنظمة السلطوية لتحل محلها أنظمة أخرى  أكثر ديموقراطية، وتعتمد على الاختيار الشعبي الحقيقي والمؤسسات المتمتعة بالشرعية وعلى الانتخابات الحرة النزيهة كوسيلة لتبادل السلطة. وبصفة عامة يعني التحول الديموقراطي الانتقال بالمجتمع من وضع إلى آخر يشترط أن يكون أحسن من سابقه ويتميز بمبدأ التداول على السلطة السياسية من خلال حق الأغلبية التي يفرزها التعبير الديموقراطي الحر والتنافس الحزبي والتعددي في إطار احترام حقوق الإنسان وحرياته وشخصيته الحضارية في المقام الأول، ويفترض أن يتجسد هذا التحول داخل المنظومة الاجتماعية والثقافية والسياسية للأمة أخدا وعطاءا في المقام الثاني، ومن ثم فإن التحول الديموقراطي يتطلب مجموعة أسس تكون بمثابة شروط أولية أساسية للتغيير الديموقراطي وهي:

التخلي عن الإيديولوجية الانقلابية

الاستقرار الاقتصادي

الإصلاح الديني

عدم التهديد الخارجي

ومن خلال هذا المنطلق يمكن رصد أهم مؤشرات التحول الديموقراطي كالاتي

التداول السلمي على السلطة عبر نظام تمثيلي ونزاهة الانتخابات في إطار التعددية السياسية والفصل بين السلطات.

الحريات العامة في الرأي والتعبير والتنظيم، إلى جانب حرية الصحافة، ونظام فعال للاتصال وتبادل المعلومات.

المؤسسة السياسية، ومنظمات المجتمع المدني بمختلف مكوناته وفواعله الأساسية.

مفهوم التغيير الديموقراطي

يختلف مفهوم مصطلح التغيير الديموقراطي باختلاف الزاوية التي ينظر إليه من خلالها، فهناك من يدرسه من زاوية مظاهره والبعض الأخر يدرسه من زاوية أسبابه، فلفظ التغيير لغة يشير إلى” إحداث شيء لم يكن قبله، أو إلى النقل من مكان الى أخر ومن حالة إلى أخرى، كما يقصد به أيضا مجمل التحولات التي تتعرض لها البنية السياسية في مجتمع ما بحيث توزع السلطة والنفوذ داخل الدولة نفسها أو عدة دول، كما يقصد به أيضا “الانتقال من وضع لا ديموقراطي استبدادي إلى وضع ديموقراطي شراكي. أي أنه تغيير يصاحب مفهوم الثورة التي , تصاحب ميلاد كل مرحلة جديدة في الحياة، وهو كل تغيير كيفي أو نوعي يكون حاسم النتائج. هذا بالإضافة إلى انتقال المجتمع بإرادته من حالة اجتماعية محددة إلى حالة أخرى أكثر تطورا “وهذا التغيير نجده من خلال نوعيين:

أولا التغيير الشامل العميق

يبدأ بتغيير القيادة الدكتاتورية ويمتد ليشمل جميع نواحي النظم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتشريعية والقضائية والدينية، ومن ثم فإن تغيير القيادة الدكتاتورية أو المتعسفة أو النجاح في تغيير أنماط تفكيرها بما يتناسب مع مصالح الدولة أو المؤسسة لا يمثل الهدف النهائي للراغبين في إحداث التغييرات، ولكنه يمثل الخطوة الأولى الفعالة نحو التحولات النوعية الكبرى التي تقفز بالدولة أو المؤسسات قفزة هائلة إلى الإمام، فتغيير القيادة هو خطوة نحو التغيير الشامل، وليس هو الهدف النهائي.

ثانيا التغيير الجزئي

يتناول فقط جزئية من الجزئيات، كالتغيرات التي تتناول الإصلاح الاقتصادي أو الدستوري أو العسكري، أو غيرها من التغييرات التي تمس جانبا من الوضع العام للمجتمع وتترك الجوانب الأخرى إما لكون الجوانب الأخرى لا تحتاج إلى تعديل أو لعدم توفر المشروع المحلي الذي يملي على المجتمع وقيادته التحرك في اتجاه محدد.

مفهوم الانتقال الديموقراطي

وفي نفس السياق نجد مصطلح الانتقال الديموقراطي أو عملية الدمقرطة الذي أخد حيزا رئيسيا في علم السياسة وذلك منذ النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين وعلى مدى العقود الماضية حيث ظهرت العديد من الكتب والدراسات والتقارير التي تناولت هذه القضية وعلى مستويات مختلفة، ويشير مصطلح الانتقال الديموقراطي في أوسع معانيه “إلى العمليات والتفاعلات المرتبطة بالانتقال أو التحول من صيغة نظام حكم غير ديموقراطي إلى صيغة نظام حكم ديموقراطي، بينما يعتبره البعض بأنه العملية التي يتم فيها المرور من نظام سياسي مغلق لا يسمح بالمشاركة السياسية، أو تكون فيه الحقوق المرتبطة بالمشاركة السياسية مقيدة تقيدا شديدا، إلى نظام سياسي مفتوح يتيح مشاركة المواطنين ويسمح بتداول السلطة ولا سيما عبر الاعتراف بمجموعة من الحقوق المرتبطة بوثوق المشاركة السياسية وإمكانية ممارستهما بصفة فعلية، واعتبر البعض الأخر الانتقال الديموقراطي هو تلك العملية التي  تهدف إلى تخفيض درجة التوتر العالي الذي لا يمكن إلا أن يقود إلى المواجهة، ويهدد المسيرة الديموقراطية قبل أن تبدأ.

أسباب ودوافع التحول الديموقراطي في مصر

تضافرت جملة من الأسباب الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخارجية الإقليمية والدولية لتخلق ضغوطا ومطالب وتأثيرات، كان لها أثر كبير في دفع النظام السياسي مصري إلى التحول نحو المناخ الديموقراطي، وسأتطرق إلى الأسباب الداخلية والخارجية، ويرجع ذلك إلى أهمتها في تجربة التحول، ليس فقط في حالة مصر، وإنما في العديد من تجارب التحول الديموقراطي التي عرفتها نظم الحزب الواحد في العالم الثالث، في عقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

الأسباب الداخلية للتحول الديموقراطي في مصر

تختلف وتتنوع الاسباب الداخلية للأزمة المصرية من حيث طبيعة أبعادها ومستويات حدوثها فمنها ما يتعلق بالبنيات الأساسية ووظائفها ومنها ما يتعلق بنمط تسيير النظام وإدارته، ومنها ما يمس الفرد المصري في حقوقه وكرامته ويمكن تصنيف هذه الأسباب إلى:

أولا: أسباب سياسية.

ثانيا: أسباب اقتصادية.

ثالثا: أسباب اجتماعية وثقافية.

 

أولا الأسباب السياسية

اعتمدت مصر بعد استقلالها عام 1952 في رسم معالم دولتها الحديثة التي حددتها الثورة ومواثيقها كدولة قادرة على استكمال مقومات السيادة الوطنية من جهة والانطلاق في مشاريع تنموية من جهة أخرى، على الشرعية التاريخية للشعب المصري في حكم نفسه بنفسه متمثلة في مجموعة “الضباط الأحرار” في ثورتها ضد الاستعمار الإنجليزي، حيث ظلت هذه الشرعية من القوة بحيث كونت لها أسبقيات مطلقة ضد أية قوة سياسية طامحة،  مثلما سببت تداخلا بين الدولة والضباط بما يقرب من الاندماج، وبقدر ما أفاد ذلك مصر،  بقدر ما سبب لها تناقضات عديدة – عاشت في هدوء نسبي خاصة في الفترة من 1952 وحتى انتهاء حرب أكتوبر ورحيل الاحتلال الإسرائيلي عن سيناء، بل يمكن القول أنه استمر حتى استكمال توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل ومصر على أعتاب حقبة جديدة من الانفتاح العالمي في كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما في ذلك منظومة الحريات، وكان هذا التداخل والاندماج داخل النظام خاصة وداخل المجتمع بصفة عامة، ومن أهم التناقضات التي يعاني منها النظام :

  • التناقض بين الزعيم المنفرد بالحكم والرأي وإخضاع الجميع في فرض هيمنته عن طريق استعمال العنف من ناحية وفي المقابل نجد المظهر العصري الذي تجسده ممارسات شكلية مثل الانتخابات، الاقتراع العام واعتماد طريقة بيروقراطية حديثة.
  • الطبيعة العشائرية للنظام وسيطرة المصالح الفئوية الطبيعية والاعتماد في استمراره على ثروة ريعية توزع على شكل هبات تبعا لمعايير الطاعة والولاء للزعيم وجماعاته، وفي المقابل، نجد خطابا شعبيا ينفي التمايز ويؤكد التجانس ووحدة المصير والمصالح المشتركة.

ونلاحظ أن هذه التناقضات جاءت نتيجة للطابع الانقسامي للمجتمع المتميز بسيطرة بنية قديمة بيروقراطية تتميز بابتعادها عن الواقع الشعبي، حيث لا تمتلك أدنى اتصال مع القاعدة،  تحولت إلى نوع من الارستقراطية الموروثة،  تعتمد على علاقات القرابة والمحسوبية والزبائنية، هذه الظواهر التي تمنع نمو ثقافة عصرية وتمنع ظهور أحزاب سياسية وفكرية مدربة على الممارسة السياسية الخاضعة لضوابط معينة تحددها المصالح العامة للمجتمع والدولة،  حيث ترتبط هذه الظواهر بغياب مفهوم المواطنة، التي تعتبر الفرد فاعلا كامل الحقوق يقوم بواجباته عن وعي وإرادة حرة ويشارك في الحياة العامة من خلال انتماءه إلى هيئات وتنظيمات المجتمع المدني، ويعامل من قبل مؤسسات الدولة في هذا الإطار،  بحيث تجد الفرد لم يتحرر بعد من شبكة العلاقات التقليدية التي تنفي وجوده،  كما تتعامل معه مؤسسات الدولة باعتباره عضو في قبيلة أو جماعة أو جالية مختلفة حيث نجده يستمد قيمه من خلال موقعه في الجماعة التي ينتمي اليها ورغم المحاولات التي قام بها الرئيسين عبد الناصر والسادات من إصلاحات سياسية شملت الإدارة المركزية والمحلية والقوانين التي تنظمها بهدف تصحيح الاختلالات الموجودة داخل السلطة، إلا أن اغتصاب النخبة السياسية للسلطة والتعسف في استعمالها واحتكار الامتيازات المرتبطة بها وتصلب الجهاز البيروقراطي، وفشله في أداء مهماته كوسيلة للاتصال وأداة لتنفيذ البرامج والمخططات أوصل المجتمع إلى حالة من الانسداد تسبب في إحداث سخط كبير خاصة في قنوات الاتصال بين القمة والقاعدة وقد تمخض عنه:

  1. نمو معارضة سياسية تنادي بحرية التعيير السياسي والفكري والثقافي مشكلتا بذلك أزمة أخرى هي أزمة المشاركة.
  2. صراع مراكز القوى في النظام مبررا كذلك أزمة داخل السلطة السياسية ذاتها.

أولا نمو المعارضة السياسية:

وقد جاء نتيجة عجز المؤسسات السياسية عن الاستجابة لكل القوى في المجتمع الراغبة بالمشاركة في الحياة السياسية، وكذلك إلى عدم رغبة النخبة الحاكمة في إشراك هذه القوى، بحيث لم تتح لها الفرصة في التعبير وذلك بسيطرتها على وسائل الإعلام التي سخرت فقط لنشر إيديولوجية الحزب الواحد.

ثانيا صراع مراكز القوى في النظام:

اتضح ذلك بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وخلال تحضير مصر للحرب على إسرائيل واستعادة سيناء، ببروز الخلافات والصراعات بين الرئيس السادات في مؤسسة الرئاسة مدعمة بالسلطة العسكرية، وبين بعض قادة الكبار في مجموعة الضباط الأحرار حول من يخلف الرئيس عبد الناصر  وأي اتجاه سوف تنتهجه البلاد مبرزا بذلك أزمة حادة داخل السلطة السياسية لتتعمق فيما بعد وهو  ما نتج عنه الاستقالات المجمعة من الوزراء، مما أدى إلى انتهاج السادات منهج ثورة التصحيح، وظل الحال هكذا حتى تم اغتيال الرئيس السادات وتولى مبارك سدة الحكم وهو  ما ارتمى في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية فسيطرت أمريكا على مقاليد الحكم في مصر وبيعت أصول الدولة الاقتصادية وانفتحت مصر إعلاميا بشكل عشوائي تسبب في تغيير واضح في سلوكيات وأخلاق المجتمع المصري، وتعاظمت الخلافات السياسية نتيجة وأد الحربات وانتشار الفساد وتولية زمام الأمور لغير المؤهلين وتمثلت أهم محاور الخلاف في:

  1. الاتجاه المحافظ ويدعوا هذا الاتجاه للتمسك بالخيار الاشتراكي لحماية منجزات الثورة.
  2. الاتجاه الإصلاحي وهو اتجاه انفتاحي يدعو بالتحول نحو بناء اقتصاد ليبرالي ترفع فيه الدولة قيودها عن النشاط الاقتصادي والتجارة الخارجية وإعادة الهيكلة، بحجة فشل النظام الاقتصادي القائم

واستطاع مبارك أن يحكم قبضته على مقاليد الحكم من خلال استعمال القوة والتحريف الثقافي وتجويع الشعب وإضعاف الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي حتى جاءت ثورة يناير 2011، ورغم شرعيتها فقد ضلت طريقها لعدم وجود القيادة الحقيقة والبرنامج السياسي للحشد الثورة لتصحيح المسار وهو ما جعلها تتخبط بين الحكم العسكري والاخوان والحزب الوطني والذي توقعت دراسات العبور الثاني أن تستمر لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات، بعدها تهب الموجة الثالثة من ثورة يناير تحت راية … ثورة التصحيح الثانية 2016…

ثانيا أسباب اقتصادية

لقد لعب العامل الاقتصادي البيئة الأساسية لنمو الأزمة في مصر، حيث باتت الأمور في أسوأ حالاتها وتزايدت تعديات الشرطة على المواطنين، وكان جيل الشباب مختلفاً تماماً عنما سبقه من الأجيال ولديه رؤية عريضة ورغبة قوية في تغيير الأمر الواقع وانتهاج نموذجا تنمويا طموحا، من أجل تحقيق نهضة شاملة تعيد لمصر وللمصريين مكانتهم وتقضي على التخلف الذي ورثته عن فترة حكم مبارك الطويلة، وقد بدأ تنفيذ سياسة ضخمة من خلال تحفيز الاستثمارات في صناعات مختلفة وكذلك طرق أبواب المشروعات القومية مثل محور قناة السويس خاصة بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2014 إلا أن هذا النموذج أظهر عجزه لاعتماده بدرجة

عالية على منظومة الاقتصاد الريعي دون تنمية حقيقية لقاع الصناعة والزراعة وهو  ما أدخل البلاد في أزمة اقتصادية خانقة، فالمؤسسات العمومية لم تقم بالدور المنوط بها مما تحتم على السلطات إلى توقيف الاستثمارات فيها، الأمر الذي أدى إلى تحطيم النسيج الصناعي الوطني وهو  ما تسبب في زيادة التبعية الاقتصادية للخارج من خلال الاعتماد كليا على الواردات الخارجية إضافة إلى عملية الخصخصة وتزايد معدلات الفساد وضعف الإنتاج التي زعزعت استقرار القاعدة الصناعية بأكملها، وكان من نتائج ذلك ضعف الأداء والعجز المالي الذي أدى إلى تزايد الدين العام إلى ما يزيد عن 2.3 تريليون جنيه مصر وارتفاع معدلات البطالة والفقر ومعدلات الجريمة نتيجة:

  • الارتباط المباشر بالمركز وسوء التسيير وكذا قدم وسائل الإنتاج وعدم استقرار المسؤولين.
  • تعطيل الألة الإنتاجية نتيجة قلة الموارد الأولية ونقص قطع الغيار ومنه أصبحت الشركات تعمل بنصف إمكانياتها.
  • عدم توعية المسئولين بدورهم ودور مؤسساتهم في تحقيق النهضة الشاملة وخلق الثروة والنمو.
  • تفشي البيروقراطية في اتخاذ القرارات من جهة، وزيادة الطلب على القروض الخارجية من أخرى
  • تفاقم الفشل الاقتصادي بصورة متسارعة عام 2016 عندما انخفضت أسعار النفط ونقص الصادرات وفي المقابل تزايدت معدلات الإنفاق العام نظرا إلى نمط للحياة الاستهلاكية غير الرشيدة وارتفاع نفقات الجهاز الإداري التي تضاعفت من 70 مليار جنيه في عام 2010 إلى 218 مليار جنيه في عام 2016، بالإضافة إلى الاعتماد الكلي والمتكرر على الديون الخارجية.

 

ثالثا أسباب اجتماعية وثقافية

عملت الدولة المصرية على توسيع قاعدتها الاجتماعية من أجل ضمان استقرارها من خلال سياستها بضمان التشغيل وتقليص البطالة وتأمين الأجور،  وتلبية الحاجات الأساسية من العلاج والتعليم،  وتدعيم القدرة الشرائية للمواطن بدعم أسعار المواد الغذائية ودعم العملة الوطنية، إلا أن هذه السياسة لم تثبت نفعها فقد زادت من حدة الأزمة المالية الطاحنة التي تعاني منها البلاد، فنمو الإنتاج والإنتاجية لم يكن بنفس الوتيرة التي كان عليها النمو المتزايد للتشغيل والمداخيل وزيادة الإنفاق العام مما أثقل كاهل الدولة حيث وصلت معدلات الدعم العام 25% من الموازنة العامة، إضافة إلى 25% من الموازنة لخدمة أقساط الديون و28% رواتب الجهاز الإداري وما بقي للدولة مؤخراً سوى 22% من الموازنة ومنها 16% استثمارات، فحقيقة الأمر أن مصر تعيش فقط ب 6% من الموازنة. ولو تم توجيه كل هذه الأموال بشكل دقيق وأمين للمواطنين لعاش الجميع حياة كريمة ولكن رغم وجود أكثر من 19 جهاز رقابي في مصر، تتصدر الدولة قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، لذا يعتبر الفساد هو العائق الحقيق لضعف التنمية وتزايد إنفاص الدولة دون إحساس المواطن بأي تغيير يذكر.

ومع تزايد تعداد السكان وصولا إلى ما يقرب من 100 مليون نسمة نجد أن مخلفات فساد نظام مبارك أدى إلى ارتفاع معدلات الأمية من 7 مليون عام 1981 إلى 39 مليون عام 2015 وتعداد الفقراء من 8 مليون عام 1981 إلى 42 مليون عام 2015 بالضافة إلى وجود 15 مليون يقطنون العشوائيات وارتفاع معدلات الجريمة والطلاق وتدهور الثقافة العامة وتدني المستوى الأخلاقي والفكري وتزايد معدلات العنوسة وكذلك تراجع ترتيب مصر العالمي في التعليم والبحث العلمي إلى مؤخرة دول العالم وأصبح بشكل عام ترتيب مصر ال 140 (المركز الأخير) في مستوى المعيشة حسب الدراسات المنشورة في مجلة (الايكونوميست 2015). ونلاحظ أنه انتشار منظمات المجتمع المدني ووجود وزارتين للثقافة والشئون الاجتماعية إلى أن الجميع فشل إنتاج نسق القيم والحفاظ عليها وتقاعست مؤسسات الدولة عن أداء دورها ووظيفتها بفاعلية بما في ذلك الأسرة والمدرسة، ومنظومة التكوين والتعليم عموما بفعل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع وما دعم هذا الفشل ارتفاع نسبة الأمية التي وصلت إلى حوالي39 مليون أمي.

الأسباب الخارجية للتحول الديموقراطي في مصر

تلعب البيئة الخارجية دورا لا يقل أهمية عن البيئة الداخلية من حيث خلق الضغوط والتأثيرات على النظام السياسي، ودفعه إلى مسايرة كل تحولاتها وتطوراتها، خاصة وأن النظام الدولي الجديد يسير في اتجاه فرض توجهات واحدة سياسية واقتصادية وثقافية، (أو ما يعرف بظاهرة العولمة) لا يمكن لأي نظام سياسي أو دولة ما، التغاضي عنها أو إغفالها أو تجاوزها فعامل التأثر (خاصة بالنسبة للدول المتخلفة) أصبح أمرا لا مفر منه في ظل التطور التكنولوجي الهائل، الذي جعل من العالم قرية صغيرة محدودة الأطراف، وليس بمقدور أي دولة اليوم أن تعرقل تدفق المعلومات والأفكار عبر حدودها الوطنية.

أولا موجة التحول في الأنظمة الشيوعية والاشتراكية:

شهدت الأوضاع الدولية تطورات حاسمة في العلاقات الدولية، خاصة بفعل بوادر النظام الدولي الجديد، وما أفرزه من مد عالمي للنموذج الديموقراطي الغربي. فلقد لعب الظرف الدولي دورا هاما في إقرار التحول الديموقراطي تحت ضغط اقتصادي محض أحيانا، ومن باب الدعاية في أحيانا أخرى، ويحصر هذا الظرف بصفة خاصة فيما أحدثته الأفكار والممارسات التي أدخلها النظام الشيوعي وبالتالي أسفرت الديموقراطية الاجتماعية من حيث الممارسة عن انتشار الاستبداد، وتفشي الجمود الفكري والعجز عن توفير متطلبات الحياة اليومية للمواطن، على هذا الأساس يلاحظ وجود اتجاه متزايد نحو نموذج ديموقراطي واحد على الصعيد العالمي يقوم على الأسس التي يقدمها النموذج الغربي…. وإن كانت لا تخدم سوى الرأسمالية العالمية، إلا أننا في دول العالم الثالث لا نجد البديل. إن هذه التحولات جعلت المسألة الديموقراطية في العالم الثالث تتحرر من حاجزين كبيرين كانا يحولان دون طرحها طرحا جديا:

الحاجز الأول: هو النموذج السوفيتي للتنمية الذي كان يضرب به المثل في سرعة التطور الاقتصادي والاجتماعي كان يطمح إلى تحقيق تنمية سريعة وشاملة، بواسطة تعبئة الجماهير في إطار الحزب الواحد، في إطار الحزب الواحد، إلا أن غياب الديموقراطية (الممارسة) وتفاقم البيروقراطية كان له أثر بالغ في تقوقع وجمود هذا النموذج ثم تفككه وانهياره، وبالتالي سقطت الدعاية التي كانت تستبعد أو تؤجل الديموقراطية السياسية باسم تحقيق الديموقراطية الاجتماعية والتنمية الشاملة أولا.

الحاجز الثاني: يتعلق بالتحول الواقع في العلاقات الدولية حيث أن نظام القطبين لم يكن في صالح الدول النامية لإقرار الديموقراطية واستمرارها، لأنه قائم على خلق عدم الاستقرار في المناطق التابعة لكل قطب، ليسهل محاصرة الخصم وإضعافه، إن النظام الدولي الجديد سيدعم دون شك النموذج الغربي للديموقراطي في العالم الثالث ما دام أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين يسيطرون على زمام الأمور في العالم بعد اختفاء العدو التقليدي (الإتحاد السوفياتي سابقا)، وهذا يبرز من خلال سعيهم إلى الحفاظ الاستراتيجي، لهذا نجدها تدعوا إلى المزيد من الديموقراطية في دول العالم الثالث، وأن هذا لا يعني تماما أن الغرب سيكون مناصرا ومدعما للديموقراطية الحقيقة خارج حدوده، ما دام أن مصلحته فوق كل اعتبار وفي هذا الإطار مصر مضطرة ومدفوعة إلى مواكبة هذه التحولات العالمية، بالنظر للوضعية الاقتصادية الصعبة التي وصلت إليها، فكان لابد من تفتح سياسي (تغيير النموذج السياسي) يساير الانفتاح الاقتصادي الذي شرع فيه مع بداية الثمانينات وتعثر من جهة للمشاكل الاقتصادية وللإيديولوجية السائدة أنذاك(الاشتراكية) التي كانت، ضد أي انفتاح، إذ هذا التحول يعني بالنسبة مصر محاولة الاستفادة من كل الظروف الخارجية للخروج من الأزمة، وتجنب مشاكل كثيرة هي في غنى عنها،  مثل المقاطعة الاقتصادية الدولية.

ثانيا المديونية الخارجية وضغوط المؤسسات المالية الدولية:

في 1990 صرح (هيرمان كوهين) مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية بأنه إضافة إلى سياسة الإصلاح الاقتصادي وحقوق الإنسان فإن التحول الديموقراطي قد أضحى شرطا ثالثا لتلقي المساعدات الأمريكية”، وقد نصح كوهين الدول الإفريقية بضرورة الأخذ بالنموذج الغربي للديموقراطي، وفي نفس العام أكد وزير الخارجية البريطاني ” ودوغلاس هيرد “نفس المعني السابق حينما قال أن المساعدات البريطانية سوف تمنح للدول التي تتجه نحو التعددية وتحترم القانون وحقوق الإنسان ومبادئ السوق “،  وفي أثناء المؤتمر الفرنسي-الافريقي من نفس العام  أشار الرئيس “ميتران ” إلى أن المساعدات الفرنسية في المستقبل سوف تمنح للدول التي تتحرك صوب الديموقراطية، وكانت المساعدات الاقتصادية الخارجية من أهم العوامل التي ضغطا على دول العالم الثالث ودفعتها دفعا إلى التحول حيث اشترطت كثير من الدول الدائنة على الدول المتلقية لتلك المساعدات أن تتبني النظم الديموقراطية وترك الاعتماد السياسي والاقتصادي للدول النامية على ما تقدمه المانحة تلك الدول أغلب دول العالم “العالم الثالث” في وضع أكثر عرضة للضغوط من الخارج.

وعلى هذا الأساس نجد مصر، تسعى جاهدة لتحقيق تنمية فعلية، وتعمل على حل مشكلة الديون الخارجية المتراكمة، والتخلص من ضغوط المؤسسات المالية الدولية، وتكيف السياسة الشرطية في تقديم المساعدات الاقتصادية نتيجة تبعية الاقتصادي المصري للخارج (من أجل تموين الجهاز الانتاجي وتموين استهلاك المواطن الاستثمارات بالتجهيزات التي تمول كلها من عائدات صادرت المحروقات

المقدرة التي تمثل النسبة الأكبر من صادرات السلع والخدمات) جعلته يتعرض لهزة كبيرة كشفت هشاشته، بمجرد بدأ انخفاض أسعار البترول منذ 1986، وانخفاض قيمة الدولار، وهذا ما انعكس مباشرة وبوضوح على وتيرة النمو الاقتصادي، وتأثيره على الاستقرار الاجتماعي، وقد ازدادت هذه الأزمة مع زيادة حدة مشكلة الديون لكون القروض ذات طبيعة تجارية، وبالتالي قصيرة الأمد مما جعلها تمتص نسبة كبيرة من العائدات لتسديدها. إن العجز المالي الذي عرفه الاقتصاد الوطني أثناء حقبة مبارك، دفع بمصر إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للإنشاء والتعمير لطلب المساعدة المالية، وأبدت نيتها في إجراء إصلاحات هيكلية وهذا يعني ضمنيا الاستعداد لربط السياسة الاقتصادية بتوجهاتها وقراراتها، وبالتالي الخضوع لشروطها المبقية والمتمثلة في:

  • إتباع النهج الليبرالي في التسيير الاقتصادي.
  • فتح المجال لاقتصاد السوق من خلال تحرير الأسعار.
  • حرية التجارة الخارجية والصرف وإلغاء القيود الكمية على الاستيراد والاتفاقيات الثنائية.
  • تخفيض العملة المحلية.
  • تقليص الدور الاقتصادي للدولة وفتح المجال أمام الاقتصادي الخاص والمستثمرين الأجانب.
  • الحد من عجز ميزانية الدولة إلغاء الدعم على المواد الاستهلاكية وتخفيض الإنفاق العام.
  • زيادة قيمة الضرائب والرسوم.
  • ضرورة الانتظام في تسديد الديون وفوائدها في الوقت المحدد.
  • تطبيق هذه الشروط بكل صرامة دون التدرع بأي طارئ أو مشكل.
  • وقف دعم المؤسسات العجزة وتخفيض النفقات العسكرية

كل هذه الضغوط الاقتصادية الممارسة من طرف المؤسسات المالية الدولية في مصر دفعتها ليس فقط إلى تغيير نهجها السياسي والانتقال أو التحول للنظام الديموقراطي التعددي بل فرضت عليها أيضا تغيير النهج الاقتصادي والدخول في نظام اقتصاد السوق، وضرورة الاستجابة للشروط المفروضة عليها، من أجل الحصول على مساعدات اقتصادية وقروض مالية من طرف المؤسسات المالية الدولية.

ثالثا التكيف مع القيم الجديدة للنظام الدولي الجديد:

تتميز معالم النظام الدولي الجديد فيما يعرف بظاهرة العولمة جملة من المفاهيم والقيم الديموقراطية،  حقوق الإنسان،  اقتصاد السوق بحيث تستخدم كسلاح إيديولوجي، وأسلوب جديد لممارسة التأثير السياسي والاقتصادي على باقي دول العالم خاصة المتخلفة منها، ويتم ذلك عن طريق استخدام المؤسسات الدولية، كمجلس الأمن، والمؤسسات المالية الدولية، توظيف قوة الإعلام، وكل ذلك في إطار ضمان المصالح الاستراتيجية للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، المتحمس الأول لتعديل النظام الدولي الجديد ولقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد بعيد من نشر عدم الاستقرار واستخدام سلاح الديموقراطية وحقوق الإنسان كموقف دولي معترف به، وتنص عليه مواثيق الأمم المتحدة،  والدفاع عن الحرية الاقتصادية،  التي تستند إلى نظام اقتصاد السوق كل ذلك من منطلق أن أنظمة الحكم في الدول الاشتراكية ودول عدم الانحياز، استبدادية وقمعية،  ومتسببة في الركود الاقتصادي . أمام هذه التطورات المتسارعة، التي لم تترك حرية الاختيار بين قبولها أو رفضها،  بل وحق التفكير فيها، وجدت مصر نفسها (بالنظر لأزمتها الداخلية التي تعقدت) مجبرة على التكيف مع هذه القيم العالمية ومسايرتها لكسب مصداقية الفاعليين السياسيين الدوليين لمساعدتها  من جهة على تجاوز ظروفها الداخلية المتدهورة، ومن جهة أخرى لإبعاد شبح العزلة الدولية وعليه فقد لعبت الأسباب والدوافع الخارجية دورا فعالا بل ومؤثرا في صناعة قضية التحول الديموقراطي في مصر، حيث تزامنت الأحداث المتتالية لعملية التغيير وما شهده النظام السياسي المعاصر من تطورات سريعة لاحت بفاعليتها على جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأمر الذي ترك أثار عميقة في مجال التفاعلات السياسية الدولية المعاصرة، والتي أدت بدورها ضغوطا كبيرة على صناع القرار في دول العالم الثالث ولا سيما الراديكالية منها، وكان من الطبيعي أن تتأثر مصر تبعا لعوامل وأسباب عديدة بالظروف الدولية المحيطة بها،  وبتتبع بسيط لتوالي الأحداث التي سبقت أحداث ثورة يناير 2011، تبين مدى تأثرها الواضح برياح التغييرات الدولية.

هل استمتعت بزيارة الموقع؟ رجاء المشاركة والمتابعة:

يعد د. عماد مهنا أحد خبراء التخطيط الإستراتيجي والإقتصاد السياسي الذين برزوا في السنوات الماضية وله العديد من المؤلفات والحوارات التليفزيونية. ينتمي الدكتور عماد مهنا لعائلة مهنا بالدقهلية وكانت تعيش أسرته في قرية سنتماي بمركز ميت غمر، ونظراً لظروف عمل والده كضابطاً بالقوات المسلحة فلقد انتقلت الأسرة للعمل والعيش في محافظة أسوان حيث ولد عماد مهنا هناك في الثالث من مايو عام 1972 والتحق بالمراحل التعليمية في أسوان حتى عادت الأسرة للعيش مرة أخرى بقرية سنتماي حيث انتقل والده للعمل كضابطاً في المنصورة. وكانت والدة عماد مهنا سيدة متعلمة ولكنها فضلت تركيز وقتها لأولادها كربة منزل حتى أصيبت بأحد أنواع السرطانات والتي انتشرت من جراء المبيدات المسرطنة التي استوردها مبارك ونظامه إلى مصر من إسرائيل، ورحلت الأم في ريعان شبابها تاركة خلفها أربعة ابناء أكبرهم عماد ومنذ لك الحين قرر عماد مهنا أن ينتهج طريقاً لتثقيف المواطنين ومحاربة الفساد وأخذ على عاتقة رسالة الإصلاح في مصر. وفي منتصف التسعينات من القرن الماضي وفي ظل تفشي الفساد والفوضى في مصر قرر عماد الرحيل عن مصر ليتعلم حياة المجتمعات المتقدمة ويكمل دراسات الجامعية في الماجستير والدكتوراه, وفي خلال العشرين عاماً الماضية عاش عماد في 36 دولة حول العالم بدأها بدولة روسيا الاتحادية ثم سويسرا وانتهى بدولة نيوزيلاندا ودرس ثقافتهم ونظم إدارة دولتهم وهو ما جعله يتجه إلى دراسة التخطيط الاستراتيجي ثم الاقتصاد والعلوم السياسية بغرض تعلم كل ما يحتاجه من أجل إحداث نقلة نوعية في مصر عند رجوعه, فهو لم ينسى أبداً ثار المصريين البسطاء الذين عاشوا أكثر من ستة عقود في ظل الفساد والقهر وحتى التعذيب في سجونها بغير ذنب, ويتعهد بمحاسبة الجميع ولا تصالح ولا تسامح مع أحد.

Leave a Reply

المشاركات الاخيرة

Recent Popular Info

About:
قناة العبور الثاني هي قناة مصر الثورة والتي تعرض أخر تطورات مخطط العبور الثاني, وهو عبور الشعب المصري بمساندة جيشه العظيم. ويمكن لمشاهدي قناة العبور الثاني تحميل ملفات المخطط دون أي تكاليف أو قيود.
د. عماد مهنا

Total subscribers:
111

Total uploads:
330

Total upload views:
14.6 thousand

Events

  • No events

أجندة المؤتمرات

<< Jun 2019 >>
SSMTWTF
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 1 2 3 4 5

هل استمتعت بزيارة الموقع؟ رجاء النشر والمشاركة

  • Facebook
    Facebook
  • SHARE
  • RSS
  • Instagram
  • Follow by Email
  • Google+
    Google+
    http://www.emaadmuhanna.com/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-1/">
  • Pinterest
    Pinterest
  • LinkedIn
  • YouTube
    YouTube